المحسوبيات والفساد الإداري والمالي

قبل حوالي خمسين عاماً وضع المُشرع نظام من أين لك هذا ؟ واستشعر المُشرع أهمية وجود نظام لمكافحة الفساد المالي والإثراء غير الشرعي، ورغم أن الإمكانات المالية كانت محدودة آنذاك والظرف الاقتصادي كان متواضعاً جداً إلا أن استشعار المشرع كان في مكانه، فهو بذلك يضع نظاماً ليطبق في جميع الظروف وعلى مر التاريخ ليحمي المجتمع من آفة الفساد المالي والإداري الذي استشرى في العالم أجمع وفي الدول العربية بصفة خاصة، ومع مرور الزمن وتحسن الظروف الاقتصادية واتساع رقعة العمل الإداري والمالي وتضاعف حجم الأجهزة الإدارية والمالية وتضخم حجم العاملين فيها أصبح موضوع الرقابة عليها أمراً غير ممكن في مقابل الإمكانات المحدودة للأجهزة الرقابية.
والحقيقة أن ظاهرة الفساد الإداري والمالي تضخمت وأصبحت قضية لا يلمسها إلا من يتغلغل فيها. إن إثبات هذه التهم أمر صعب جداً على الإنسان العادي أو المواطن البسيط وهو أكبر المتضررين. وكما قلت إن ضعف الأجهزة الرقابية وعدم تفعيل نظام من أين لك هذا وعدم متابعة ومراقبة أثرياء الفجأة وأثرياء العمل الحكومي يدفع الآخرين للاقتداء بهم، وأنطلق في مقالتي اليوم بالاقتباس من إجابة خادم الحرمين الشريفين على سؤال وجهته له صحيفة الشرق الأوسط في 28/2/1423هـ عندما سألته عن المحاسبة وذكرته بإعلانه رفض الوساطة والمحسوبيات في العمل الإداري حيث أجاب قائلاً إن قناعتي دوماً وأبداً أن مخافة الله واحتسابه في كل صغيرة وكبيرة أمر مطلوب من كل إنسان مكلف وهي الضمان الأكبر وصمامُ الأمان في سلوك وعمل المسلم، ونحن مجتمع يوصينا ديننا الحنيف بالتكافل والتعاون والتراحم، وطبيعي جداً أن يكون للشفاعة مساحة في حياتنا ولكن لمن لا يخالف النظم ويكسر اللوائح ويتعدى على حقوق الآخرين.
وقال الملك عبدالله -حفظه الله- إن وجود الوساطة والمحسوبيات في تعاملاتنا الرسمية شيءٌ للأسف أشعرُ به وأعرفُ عنه الكثير لما يصلني من شكاوى وتظلمات. ويعلم الله كم يؤلمني الالتفاف على النظام أو تسخيره لغير ما شُرع له. وقال حفظه الله إن كل مسؤول حكومي لديه تعليمات واضحة في هذا الشأن والأجهزة الرقابية تقوم بدورها، وبقدر المسؤولية سيكون كل مسؤول مُحاسبا أمام الله جل جلاله ثم أمام ولي الأمر وأمام الجميع (فالحق يعلو ولا يُعلى عليه، ومصالح الأمة تعلو على المصالح الشخصية ولا مكان للأهواء والرغبات أمامه (انتهى الاقتباس).
لقد كانت إجابة قائد حكيم وحازم حريص كل الحرص على تقديم مصلحة الأمة على المصلحة الشخصية، وهذا ما دفعني اليوم لطرح قضية الفساد الإداري والمالي والكسب غير الشرعي والثراء الفاحش غير المعروف مصدره للمسؤولين في الدولة. وهي ظاهرة كان يرتكبها أصحابها باستحياء إلا أنها أصبحت مؤخراً مستفزة للمجتمع وأصبح أصحابها لا يعطون المجتمع تلك الأهمية فشيدوا القصور التي لا يمكن أن يشيدوها لو بقوا في كراسيهم مدى حياتهم حتى لو كانوا على أعلى المراتب الإدارية أو القيادية في أجهزتهم الرسمية ولم يُعرف عن آبائهم الثراء ولا يُعرف أنهم عثروا على كنوز الأرض أو أمطرت عليهم السماء ذهباً، وإن كان باب الاجتهاد لتبرير ثروتهم مفتوحا إلا أن الكثير من المبررات يصعب القناعة بها مع وجود العديد من الأنظمة واللوائح التي تمنع الموظفين الكبار والصغار من العمل التجاري بجميع أنواعه بل وجه قرار مجلس الوزراء بمنع الوزراء من تولي رئاسة الشركات التي تساهم فيها الدولة وهو قرار حكيم، لأن رئاسة الوزراء للشركات تضفي على تلك الشركات صفة الحكومية ويتصرف البعض منهم وكأنها إدارة من إدارات وزارته.
ورغم صدور قرار المنع إلا أن الالتفاف على النظام دفع بعض الوزراء للتخلي عن رئاسة الشركات وتعيين نوابهم أو وكلائهم لرئاسة الشركات. وهذا نموذج من نماذج الخروج على النظم الإدارية. وأعود مرة أخرى إلى نظام من أين لك هذا ؟ الذي طالبتُ بتفعيله في مقالات سابقة وأعيد طرحه مرة أخرى مطالباً الأجهزة الرقابية بتفعيل دورها وإنشاء جهاز مستقل له تبعية مباشرة لولي الأمر لمتابعة الثراء غير المشروع. وكما ذكرت أعلاه أن المبررات عديدة حيث قال لي بعضهم إن أساس ثراء البعض من المسؤولين هو تجارة الأسهم ولم أقتنع حيث إن الأسهم قد انهارت وخسر الجميع فكيف حَمى المسؤولون استثماراتهم في الأسهم من الخسارة ؟ وقال لي البعض إن ثراء بعض كبار المسؤولين من مكارم منح الأراضي التي منحهم إياها ولي الأمر، فقلت إذا كانت هذه المنح في الصحراء مثل منح العامة من المواطنين فلن يكون لها قيمة ترفع من ثرواتهم إلا إذا استخدم عنصر النفوذ الداعم لأن تطبق على حديقة أو مواقف سيارات أو على أحد الشواطئ إن وجد فيها أو وسط المدن على أراضٍ أو مرافق حكومية.
أسئلة عديدة تُطرح في المجالس الخاصة وتلوكها الألسن، وليعلم أولئك الذين أصبحوا أثرياء وهم على كراسيهم أن المجتمع بأكمله يراقبهم ويتابعهم فالرواتب الشهرية لا تبني القصور أو الاستراحات البحرية أو تملّك الشقق الفاخرة في الأبراج المطلة على الشواطئ البحرية، وشراء السيارات الفاخرة التي تتجاوز أسعارها نصف المليون. ومهما كانت قيمة الرواتب والانتدابات والمكافآت فلن يستطيع بعض كبار المسؤولين شراء طائرات خاصة أو يخوتا تعبر البحار والمحيطات. وليتأكد هؤلاء أن الله موجود يرى أفعالهم قبل أن تنشط الأجهزة الرقابية أو يشملهم جهاز متابعة الثراء غير الشرعي. وهذا ينطبق على الموظف الصغير والكبير. لقد شاع الفساد الإداري والمالي واستشرى وأصبح ينخر في الجهاز الإداري وقد كانوا مثل الخفافيش لا يعملون ولا يتحركون إلا في الظلام، أما اليوم فقد أصبحوا يعملون في النور بعد أن ضمنوا غياب الرقابة والعقاب واستغلوا حاجة الناس والضعفاء، وأصبح الفساد وكأنه فرض واجب على الآخرين أن يدفعوه لتُقضى حاجاتهم وأصبحت عادة يسير عليها الآخرون.
ورغم كل هذا إلا أن المجتمع مازال فيه الفئة الكبيرة التي تخاف الله وتتقيه، وليعلم الإنسان أن قناعته في العيش لن تكون إلا إذا اعتقد أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين يرزق من يشاء بغير حساب وهو الذي يعطي ويمنع لقوله تعالى في سورة آل عمران الآيات 26/27 (قل اللهم مالك الملك تؤتي الملك من تشاء وتنزع الملك ممن تشاء وتعز من تشاء وتذل من تشاء بيدك الخير إنك على كل شي قدير تولج الليل في النهار وتولج النهار في الليل وتخرج الحي من الميت وتخرج الميت من الحي وترزق من تشاء بغير حساب).
إن ظاهرة الفساد الإداري والمالي تحتاج عاجلاً إلى معالجة، ومعالجتها لن تكون بدون تفعيل استراتيجية محاربة الفساد التي تمت الموافقة عليها وتتطلب تحويلها إلى حيز التنفيذ بقوة الأجهزة الرقابية والتنفيذية. وأخشى ما أخشاه أن يستفحل الأمر ويصبح الفساد سمة من سمات الإدارة في بلادنا وعندها ستصبح تكلفة معالجته عالية الثمن وطويلة المدى.