بدوية.. في أميركا


لاحقاً، سأعود لأُحدثكم عن جولتي في أميركا، التي قصدتها ليس فقط لتلبية دعوة لثلاث جامعات شرّفتني باستضافتي، بل أيضاً لأُلبِّي نداءً مجنوناً داخلي، يتغذّى من قول النفري: "في المخاطرة جزء من النجاة". فقد بدت لي أميركا أأمَـن مكان في العالم، بعدما صدّرت إليه كلّ تشكيلة الأهوال والمخاطر. قلت، هذه بلاد فرغت من المجرمين والقتلة وخلدت إلى الراحة. ولا أرى، في زمن الذعر الكوني، من وجهة للأمان سواها، مستندة إلى نكتة عن ذلك اللبناني، الذي كان أيام الحرب الأهلية، دائم السؤال: "منين عم يطلع الضرب؟" وما يكاد يستدل على المكان، الذي ينطلق منه القصف حتى يركض نحو المدفع كي يضمن وجوده، حيث تنطلق "الضربات"، لا حيث تتساقط. طبعاً، الخطر قد لا يكون هنا ولا هناك، بل في المسافة الفاصلة بين المدفع.. والهدف. بالنسبة إلـيَّ، الْمُخاطرة تبدأ في الوصول إلى أيّ مطار من تلك المطارات الْمَتاهة، التي تمتدُّ نهاياتها كأُخطبوط في كلّ صوب بعدد أحرف الأبجدية، ثمّ تعود لتتفرّع إلى (Gates) وبوّابات، لكل منها منافذ جوية، قد تصل إلى المئة. في هذه المطارات، تُعاودني فطرتي البدوية، وأتحول إلى امرأة أُمِّية بكلّ اللغات، بما في ذلك الفرنسية. لذا حَدَث كثيراً أن تهت في مطار شارل ديغول. وكما يغرق البعض في كوب ماء، أتوه أنا بين حرف وآخر.. ورقم وآخر، سالكة السلالم الكهربائية نحو الاتجاه الخطأ، فلا ألحق الطائرة إلاّ وقد حفظ جميع المسافرين اسمي لفرط ما نادوا عليّ بالمايكروفونات. ولولا أنني سافرت إلى معرض فرانكفورت برفقة الوفد اللبناني، وغادرت المطار كما وصلته ممسكةً بتلابيب جمانة حداد، لاحقة بصلعة عبّاس بيضون، وسرب عبده وازن وعقل عويط، لعاد الكتّاب في العام المقبل ليجدوني كذلك الإيراني المشرّد، المقيم منذ سبع عشرة سنة في مطار شارل ديغول. وقد استوطنت المطار، وفردت أوراقي وألواح الشوكولاتة، وجلست أكتب روايتي، في انتظار أن يتنبّه رئيس التحرير إلى غيابي، فيبعث بفريق إنقاذ ليعود بي إلى بيروت. أولادي وجدوا في جهلي اللغة الإنجليزية، ومعاناتي من "رهاب المطارات"، وإصراري على البقاء قروية في عصر القرية الكونيّة، ذريعة للتطوّع جميعهم، على غير عادتهم، لخدمتي وعرضهم مرافقتي إلى أميركا، بمن فيهم غسّان، المقيم في لندن، الذي ذهب حدّ اقتراح أخذ إجازة من البنك الذي يعمل فيه، والحضور لملاقاتي في مطار باريس، بعد أن خفت أن أضيع منه في مطار لندن! ذلك أن جميعهم خرِّيجو الجامعات الأميركية، ويحلمون منذ الأزل بزيارة الجامعات التي دعتني، ولم أكن قد سمعت ببعضها قبل ذلك. وليد، أصغرهم (21 سنة)، صــاح بالفرنسية "واووو.. "يال" بتعرفي شو "يال" ماما؟ إنها جامعة عمرها 5 قرون، تتنافس مع جامعة "هارفرد" على الصدارة، معظم رؤساء أميركا تخرّجوا فيها". شعرت برغبة في إدهاشه، لعلمي أنه سيرسل ليلاً "إيميل" إلى غسان، لينقل إليه أخبار عجائبي، وأحياناً ليتشاورا في إدارة "مكاسبي"، كتمرين مصرفيٍّ لا يكلفهما أكثر من قُبلة، والاطمئنان على صحتي (ماما.. مارسي الرياضة.. وهل راجعت الطبيب، بالنسبة إلى وجع كتفك؟). قلت: "وأيضاً سأزور جامعة (MiT)، حيث لي محاضرتان". تأمَّلني غير مُصدِّق، وقال: "إنها أشهر جامعة تكنولوجية في أميركا.. عمَّ ستحدثينهم بربِّك يا ماما وأنتِ تستعينين بالشغّالة، كلّما أردتِ استعمال "ريموت كونترول" الفضائيات؟". واصلت لأُجنّنه أكثر: "ثمّ سأُعرِّج على جامعة "ميتشيغن"، وأعود عن طريق نيويورك". لأيام عدَّة، ظلّ وليد يُهاتفني مساءً، بذريعة السؤال عني. يُغازلني بين جملتين "ماما.. أنتِ جميلة هذه الأيام". يستدرك: "أنا لا أُريد شيئاً منكِ.. لكني حقّاً أجدكِ بالنسبة إلى عمركِ جميلة.. أجمل من أُمهات أصدقائي". أُخفي ضحكتي "أدري أنه سيختم المكالمة سائلاً بلطف: "ماما.. خذيني معكِ إلى نيويورك.. پليز إنها حلمي". بعد ذلك، علمت أن ابنة صديقتي ومُترجمتي بارعة الأحمر، التي فضّلتُ أن تُرافقني عوضاً عن الأولاد، الذين كانوا سيهيجون ويتخلُّوا عني في ولاية من الولايات، تعرّضت للابتزاز الأُمومي نفسه من قِبَل ابنتها، المقيمة في كندا، كي ترافقها في هذه الجولة الجامعية. بارعة ظلت ممسكة بيدي وأعصابي، حتى عودتنا إلى مطار نيويورك. وعلى الرغم من كونها تدبَّرت الأمر، كي نفترق، هي إلى مونتريال وأنا إلى باريس، من المطار نفسه، وفي رحلات متقاربة، ما كادت تودّعني وتختفي، حتى ضعت وأخلفت طائرتي.. وقضيت الليل في انتظار طائرة أُخـــرى



أحلام مستغانمي